الهَرِم… ذلك العالم المجهول ووادي رذائل العمر
النص الذي فاز بالمركز الأول في مهرجان بغداد الدولي بدورته السادسة
بيئة المكان
كهف صخري في أحد بطون الجبال، يقع على بحر مترامي الأطراف، وتحيط به مروج من العشب وبعض الأشجار.
يلعب الريح في الكهف مع أصوات النوارس وهياج أمواج البحر التي تضرب السواحل المحيطة بالمكان، فنسمع لها دويًا.
الملك لير يرتدي عباءة رمادية اللون وثوبًا ممزقًا باليًا، وتغطي وجهه لحية بيضاء كثة، ويعلو رأسه إكليل من العشب. وقد جلس القرفصاء وأسند ظهره إلى أحد جدران الكهف، وأمامه موقد نار من الحطب يفيض بأشعته على الجدران وبقية أجزاء الكهف.
إنه في أرذل العمر.
نسمع صوت ضحكات لمجموعة من الأطفال يختلط مع أصوات خيول وعربات. موسيقى كلاسيكية تصاحب هذا الجو الذي يعج بزخات من المطر، ثم تختفي هذه الأجواء تدريجيًا.
الملك لير
(يبدو كأنما يتحدث مع موقد نار توسط المكان)
أرجوك، قف ساكنًا يا لهيب القدر. إن أغلب ما يرهب القلب ويذهل الفكر والحس أن تلقي العين ببصرها إلى وهج الخداع بأطيافك التي تنير وحدتي دون خجل أو وجل.
أيام وأنا أشبعك حتى تعلو ألسنة لهبك لظى، كما سقيت لب قلب الآخرين مطرًا أبيض لينبت منه عقوقًا كالحجر الأحمر الصلد.
(يشيح بوجهه عن الموقد)
سأقلع النظر عنك.
(يدفع برجليه نحو الموقد)
أليس الملوك أولاد الرب كما جاء بالسفر المعهود، إلى أن الشيطان سعى إلى الانقلاب على النظام الإلهي فضاعت الهبة الملكية أدراج الرياح؟
نحن أصبحنا مرتهنين بين القدر والقدرية.
(ينهض بتثاقل، ويتجلى ظله على جدران الكهف، ويتحرك بحركة قلقة، ويقف عند الفتحة الجانبية المطلة على البحر ويصيح)
بناتي، يا عار النساء، أنتن في عاصفة الظلام. عالم بلا أرحام؛ عالم بنظام يمكنه تجنب استخدام النساء بمنزلة وسطاء في نظام قائم على حق البكورة الأبوية وليس الأنثوية.
(يهيج بعصبية)
النساء عندما تتخلى عن قدرتها الأنثوية سعيًا للاستيلاء على السلطة بالقوة والخداع والمكر، فإنها بغير قصد تتنازل عن القوة الوحيدة التي تملكها، وإنها سوف تتوسل إلى الأرواح التي ترعى خطط الغدر والخيانة أن تكون بجانب سريرها.
عندئذ ستنزع جنسها كمثل قطة وديعة تموء بأنوثتها حتى تلتهم ما في يديك.
بناتي، يا عار النساء، أنتن الآن مخالب آسنة للشيطان.
هل أنا الآن أعدو في خطى الترتيب الإلهي واقتراب نهاية الطغيان؟
(ينزع إكليل العشب من على رأسه ويأخذ بالتحدث إليه)
هل أنا عجوز طاغ وقاسي القلب؟ هل أنا سوط دنس لف على رقاب الفقراء والأقربين؟ هل سقطت الحكمة والفضيلة ونبل النفس من يدي حتى بت غريق الوهم ومخرف العقل والروح؟
هكذا زري الحال بي، يا تاج الفقراء والصعاليك.
لقد عبثت بي الأقدار، ورماني الرب بسهم البؤس في قلب المعاناة والقهر.
(يرفعه أمام عينيه)
أراك تنظر إلي بشزر. هل ترفض أن تكون رفيق الدرب والقدر لرجل كان كل همه أن يشعل فتيل الكون بالمحبة؟
تكلم، إني أسمعك.
(صمت)
أنت ترفض أن يراك الناس متوجًا فوق رأسي، وتعتبر ذلك رزية من رزايا الخداع.
(يمسك الإكليل)
قل لي: من سيحاكم القدر؟ أنا أم أنت، أم هو، أم هن؟
ماذا؟ قل، إني أسمعك.
هل سنحاكمه ونحاكم أنفسنا معهم باسم العدالة والقدريات؟ أم باسم ظلم الأبوة؟ أم باسم الشيخوخة والعجائز الثكلى بعقوق الأبناء؟
(يقرب الإكليل إلى لهب نار الموقد)
هيا، قل لي يا فزاعة الرأس. هل أنت تحلم بالمجد الزائف الضائع؟
أفق يا عشب الخنازير، فما كان لصاحبك هذا أوفر حظًا في خطاياه.
أنت لا تستطيع أن تبصر ما أراه أنا.
(يتقدم إلى حافة نهاية الكهف الخارجية، ثم يرفع حجرًا ويرميه خارج الكهف)
وأنت أيها القدر، لقد جردتني من كل شيء. لقد سلطت علي سلطانك ونهبت مني التاج والصولجان ومملكة، وما هذا بعزيز لي.
أفق، ارجع إلى رشد عدلك، فأنا لست بند لك.
هل نحن بنو البشر ساحة لهو لكم؟
أيتها الآلهة، إن عبثكم معي لا يجدي نفعًا.
رجل مسن هزيل، مخرف ومجنون، يتوسد أنين ليله زفرات من الحسرة والقهر والندم.
(يحمل حجرًا آخر ويتحدث إليه)
أنت قدر أعمى، فهل يستهدي العميان بالمجانين؟
ألست أنا من صنيعة أفعالكم المبهجة أن أكون مجنونًا مشردًا؟
وها أنا أرفع نداءً عاجلًا باسم الرب لإنهاء الصراع، وإنه من العبث أن تخاطر الآلهة بصراع قوامه فردي.
لقد ضقت ذرعًا بهذا التنكر.
(يضحك بسخرية، ويرمي الإكليل، ثم يدرك ظله على حائط الكهف ويرميه بالحجر)
آه أيها الأنت، كفانا اليوم جنونًا.
ماذا؟ عن أي جنون أتحدث، ونتحدث في كل ليلة وصباح ولا أحد يشاطرنا الكلام؟
أصبحنا غرقى الوهم.
ماذا؟ ما أنا وأنت سوى ظلين ادخرهما الرب عن سائر الناس وأبعدنا عن التهلكة.
اذهب، اذهب أنت وربك، وفك قيدي وشأني، فأنا وحدي من يحدد عروجه إلى السماء.
ينبغي أن نطهر أنفسنا بما يتصل بنا من أدران ودنس العقوق.
(نسمع أصوات بكاء من أحد زوايا الكهف. لير يتحرك بغضب. البكاء يعلو. لير ينوء برأسه مزمجرًا ويصرخ)
كفى يا بنات آوى!
أنتن يا عوادي السماء، أنزلن عليهن شقاء الملذات والشهوات المغمسة برذائل الجحيم.
أيها القدر، لن تستبيح جسمي وعقلي استلابًا بعد الآن.
ها هن حبيسات التراب.
إن الأولاد الذين يتمردون وينشقون عن لحم أباه لن يصيبهم إلا الذبول والجفاف، وستتناولهم أيدي الردى.
(يتحرك ويدور حول كومة تراب)
يا أعق النفوس، ها أنتن تتنفسن عن بقعة ضوء بين حبيبات الرمل.
أنتن عين النجاسة، والدنس لا يشاطره إلا الدنس.
أي قلب تفرى!
(يزداد البكاء)
تبكون وتنتحبون على ماذا؟ لا راقت دموعكن، فالدمع لا يطهر الرذيلة.
لقد نزف القلب دماه لمن أضنيت يدي له. ضاع الأمل وتاه.
سلمت مفاتيح القلب كي أدرك شرفة تفيض بالحياة، ولكن هيهات، هيهات.
لم أكسب شيئًا، وأضعت العمر سدى من أجل حفنة حب زائفة وعقيمة.
أيها القدر، أي عقوق هذا الذي أنت آخذ بناصيته؟
(يبكي بصمت)
سألتني الرياح والسحب، سألتني الغيوم والمطر، سألتني الغابة والشجر، سألني النهر الذهبي:
من أخذك منا أيها الأب المفجوع بقلبه ودمه؟
(يحمل إكليل العشب ويضعه على رأسه)
أنا الذي لوح لأعدائه بغصن زيتون بدلًا من السيف كي أجعل للحياة نغمًا من الأمل، وإذا بسيف الخداع يشق القلب دون وجع ووجل.
بناتي حمل وديع بمخالب ذئب ومكر الضباع.
(يرتفع الأنين، ثم يرفع لير مشعلًا ويرجع إلى كومة التراب)
أنتم أيها المارون من هنا، العنوهم كما يحلو لكم، لكن امضوا ولا تتوقفوا أمام قبورهن طويلًا حتى لا تصابوا بعدوى العقوق والقدر الجارح لقلوب الآباء.
(يخرج من كومة التراب بعض الدخان)
لا أستطيع تصور أن لظى جهنم هو من خرج متسللًا هكذا نزاعة للشوى من تحت ترابكم.
(يرتفع الأنين)
لو كان القدر عادلًا لكان لبياض شعري قدر في رحمة عدله ورأفته.
من يسرق أحلام الأبوة، كم يختلس مني حسن سمعتي، لذا فإنه يدمرني.
بدا متعطشًا لأسوأ أكاذيب يمكنه أن يلفقها لي دون رحمة.
من يصنع من؟ القدر أم الآلهة؟ النار أم الكبريت؟ من يوقظ الخداع والحيلة في جوف الليل؟
(يصرخ)
أنت جبار وطاغ وآثم أيها القدر، ينتزع من الوالد ولده، ومن الأم ابنتها، ومن العاشق محبوبته الغالية.
(ينتبه لظله على جدران الكهف)
أنت أيها التائه في وهن الشيخوخة، ابتعد عني.
لماذا التلصص؟ انصرف. ليس يجديني الرثاء بتاتًا.
(كلما يقترب إلى الظل يكبر حجمًا، ويختلف الحوار عندما يبتعد عنه فيكون صغير الحجم)
لم تغفل عيني لحظة عنك… إنك هو.
(يتقدم للظل)
ليس الشر هو الحل الوحيد كي أزيح تلك الغمامة عن قلبي التي استولت على حياتي، لألقي على روحي أطياف سلام زائفة.
(يتقدم قليلًا للظل)
لا تهمس فحيحًا. قل، فأنا أجيبك علنًا.
ماذا؟ وهل من الغواية أن نتذكر من خدعنا وصاحب هوى الشيطان؟
ها أنا أجيبك.
(يتقدم)
ذاكرة المظلوم أقوى من ذاكرة الظالم، ولن أستجدي هيبة ذكرى شاخ الزمان عليها، ولن أجري خلفها كصبية فاقدة لعذريتها في أول ليلة من عرسها الوحشي.
(يرجع إلى الخلف)
ها هو الحزن يغتال الضجيج في موقد نار قد حط رحاله على هودج بنات عاقات الأبوة الإلهية.
(يلتفت إلى الظل)
ها أنت تقزمت مرة أخرى ليعبر نعيك قارات الروح.
ادن مني إن كان لك سلطان.
لا تستطيع، لأني أشعر أنك بدأت تتآكل شيئًا فشيئًا.
(يرمي الإكليل إلى الظل)
خذ هذه الهيبة المستعارة، أيها الشقي الذي رمته عوادي السماء بكل نازلة.
طب الآن نفسًا بما ترى من شقائي.
إن السماء تراهن عليك أمامي.
وأنت أيتها السماء، استرسلي واحزبي بنوازلك، فما عاد في القلب متسع لحزن الأبوة.
(يرتفع الأنين)
أنا الآن كذاك الفارس الذي أخذوا السيف من يده، وأعطوه المغزل بدله.
(ينهض ويلتقط الإكليل ويقدمه إلى الظل)
إني أقبل أن تكون رسولًا فيما بيننا، ولعله لا يطول بك الوقت إذا أنت أقدمت على تحقيق مراد القدر.
لا، لا تتكلم. مِل برأسك.
إذا كان لهذا الإكليل لسان نطق بما يرفع آمالك في أجواز وجد السماء، كنسيج العنكبوت يلتهم من صعد في أفقه.
(يزداد الأنين مع صعود دخان كثيف من وسط كومة التراب)
حان الأوان كي تعرفن أن هيبة العروش غواية، ومغازلة الشيطان الندامة يا بنات آوى.
أنا الآن من يطرد الخوف وينزع ثوب قلق الليالي الماكرات.
(صمت مع صعود الدخان)
اصعد يا دخان المقابر ما شئت، فلن تسقي الصمت رحيق الحناجر.
كنتم تخشون السلام ومنطق الحب والعقل والإيمان.
أنتن من علّم العقل على النباح كي يقدر أن يتعايش مع السلب أينما كان، حتى لو كانت وسادة أب هرم على شفير الموت.
(نسمع صوتًا كالشخير)
ماذا؟
(يتصاعد الصوت)
لا وألف لا.
أنتن في وهن، ويجب أن يصلب على وتد ليل أبله.
(كأنه يجيب ذلك الصوت ثم يضحك بسخرية)
هيهات، هيهات.
الكلام الناعم لا يؤسس الرحمة بعد الآن.
ألسنة المنطق والعقل هي الآن من تحدد الخيارات، وليس ذلك القلب الذي دنستم عفته ورحمته.
أنا الذي جلبت العزاء إلى بيتي وأشعلت فيه الكراهية والغل والحسد الآثم في نفوس أصابها الطاعون الأسود.
أنا من جعل من كرامته وزنًا فائضًا.
أنا الذي علقت رأس التاج على ليل أبكم، وها هو الآن يتنامى أمامي دخان أسود.
أب أمضى العمر كله وهو يحلم في أن يعثر على قلب نادر يلفه طهارة الحب والمحبة، ولكني كنت ذلك الرجل الذي راهن على حصان أعرج.
وها أنا أشقى بين كل هذا المخاض، وأعاني في غربة اللاإنتماء.
أين المفر؟ يمينًا أم شمالًا؟ إلى الأمام أم إلى الخلف؟
لا مفر ولا مهرب من تلك النهاية الحتمية.
(يتصاعد الشخير)
اخرسن يا بنات الليل.
(يتحرك إلى كومة التراب)
تعسًا للشياطين التي تسكن رؤوسكن.
(يربت بيديه على كوم التراب كل على حدة)
أنت سترضعين جوع وحدتك من حليب الخنازير البرية، وأنت ستنهمين عقوقًا متربًا بعفن اللحود.
أما أنت يا صغيرة الفؤاد، فلا أعلم أي ضرب من الجنون أعمى البصيرة أفتى بهجري إليك.
(يصرخ ويهيل التراب فوق رأسه)
أيها القدر، ماذا تبغي من تدوير إعادة الحكاية، وقد تعرشت عناوينها خلف نوافذ ذاكرة كل يوم، حقيقة لا تقبل الشك والظن والتفسير؟
لقد هرشتم رأسي بتاج بهلول أحمق.
(ينتبه إلى ظله)
ماذا؟
السلام هو ملك الضعفاء الذين لا يجيدون الصعود على سلالم العروش.
اخرس أيها الدعي.
اذهب وقل لربك: لن أبكي على حلمي البريء، حتى وإن هدته عوادي سمائك وتوارى كالدخان، وحتى وإن ماتت الأحلام على مشارف غربتي الهائمة.
(يبكي)
لقد تقوست أماني السلوى في عزاء ازدحم فيه شيب الرأس، فأنبت وجعًا غاص في سويداء القلب، فأصبحت الدنيا موحشة لا أمان فيها.
يفر الابن من أبيه عند الخسارات.
بناتي تهن في زحمة المجهول، يلعقن وجبة دسمة من الخيانة بلسان مبتل بالقبح.
(يعلو الأنين ثم صراخ)
أتبكين الدنيا أيتها الشقيات؟
لقد أزفت ساعة الاحتضار، ونضج الشقاء، وحان القطاف.
(يجلس عند كومة التراب ويبدأ بالنبش فيه، فيبصر ظله)
ابتعد.
ارتكن في زاوية هذا المحجر، ودعني أستعيد ما تناثر من فطرة أب أحمق جعل من قلبه خندقًا للمأساة.
ماذا؟ أنا أحمق لا يمتلك فطرة حتى أجنة طيور الماء؟
نعم، أنا أحمق لأني أطلعتك على سر عذاباتي وشقائي.
إن سوط ربك يا هذا قد أخذ مأخذه، فلا حاجة لسياطك البالية.
(يتحرك الظل، فيصرخ به)
أيها الأنت، كف عن مزايدة الأبوة، فما أنت لها من مرتد.
في داخلي رئة مقيتة، وما بقي فيها آخر الأنفاس.
(يبتعد الظل)
أعرف أنك تحسب هذا البوح ما هو إلا ثرثرة مصلوبة على مسامير الخرف والجنون.
(يعاود الحفر)
هنا لا شيء سوى رائحة عفونة الخيانة والعقوق.
(يخرج إحدى الدمى المصنوعة من القش والقماش ويرفعها أمام عينيه)
ما جدوى الدموع عندما يسقط منها عفة الحياء؟
ابنتي البكر غونريل، التي خانت قلب أبيها، فما أجمد حسك وأقبحه!
ها أنا أقف مستشعرًا، مدركًا عظيم الهم في قلبي، ولا أتضعضع.
يا ليتني كنت مجنونًا كي تنفلت صلة الرحم في فؤادي بين العقل والهم، وتفقد الأحزان في شطط الذهن، حتى لا أبصر في عينيك خبث العجائز الساحرات.
(يعاود الحفر ويخرج الدمية الثانية ويضعها على الأرض وهو يهمس لها)
ريغان، ابنتي الوسطى، أتسمعين فحيح أبيك المجلود بأوردة الحب؟
كيف طاوعك قلبك في احتضان فكرة الغدر اللعينة بأبيك؟
دهر وأنا أمشط بأهدابي ضفائرك الرقيقة. أظنها كانت رقيقة.
(يبكي بصمت)
ترعبني دموعك الخرساء.
لا أنكر أني ما جنيت الحب حد الخداع، لأني كنت ألعق الرأفة الزائفة في زمن هُجّن فيه كل شيء.
(أنين وبكاء)
ليس بينك وبين الموت سوى أنين ودخان أسود.
(يضع وجه الدمية على الأرض)
لا مزاح مع القدر. هكذا يقول الرب أيتها البنت.
(يعاود الحفر، فيخرج الدمية الثالثة، ويسقط على الأرض وتنساب دموعه)
كورديليا، حبيبة الفؤاد، يا آخر عنقود العمر.
(يتحسس شعرها)
أي مجنون يشك بحنايا قلبه؟ هكذا كنت معك.
(يحمل الدمية على صدره)
أدركيني يا ابنتي، كأن ألف خنجر غدر ينهش قلبي.
كورديليا، أكاد أسمع نبضات قلبك إذ تترنم.
سامحي واغفري خطايا أب قذف بك إلى متون ليل بهيم، وساح في حب ماكر ولعين.
ساعديني يا ابنتي كي أتطهر من دنس الأبوة العمياء.
ألا تريني أني أحترق حتى في لحظة فرحي بك؟
(الظل يتحرك فيبصره)
أنت يا هذا، أعلم جيدًا أن الآباء لا يعرفون طريق المقابر، بل الأبناء الأشقياء هم من يساقون إليها كالبهائم.
انظر، هذه لب قلبي كورديليا قد صفحت عني.
غدًا يأتلق في دمي نبض حياتي من جديد.
(يجلس الدمية في وسط الكهف ويضع الإكليل فوق رأسها)
هكذا كان يجب أن يكون الحب.
(يذهب إلى الدمى ويسحبها إلى الأرض من ضفائرها)
إن الحب الزائف ينجب أبناء غير شرعيين.
أنتن مجرد ثمر شيطاني.
أنتن نفايات من رحم بنات الليل.
أنتن نباتات في حقول روث الخبائث.
أيها القدر، ها أنا أقيم الحد من عين العدل، وسأفقأ عين الغدر برميهن في لظى جمر مستعر.
(يرفع الدمى فوق الموقد، يجمد في مكانه، ويصرخ)
أيها الرب، كنت أحاول أن أرمم ما تساقط من ذنب عقوقهن، فحبستهن في قبر بارد كي لا يتعفن جسدهن.
لقد مسحت عن روحي كل جراحهن بقلب أب مختوم بفطر الحب الإلهي.
(يجلس الدميتين عند الموقد، ويرمي عباءته إلى الظل، ثم يرجع ويجلس بجانب كورديليا)
التحف بها أيها القدر، وتمخض بظلك حتى تلد هزيمتك.
ها أنا أنزع ثوب خرافتك، وسأحلق بعيدًا عن عزلتك إياي.
(ينهض وهو يحمل دمية كورديليا، ويتحرك نحو الفتحة الخارجية للكهف، ويرمي لهم الحوار الأخير ويخرج)
سأغيبكم هنا في الرمل، مثوى البرد الأنجاس.
أما أنا وحبيبتي كورديليا، فسنتهرب من رسل القدر والقتلة.
آه وآه أيها القدر…
لولا مفارقة الأحباب، ما عرفت لها المنايا إلى أرواحنا سبلًا.
(يبكي ثم يخرج. يختفي كل شيء إلا الظل، يبقى ماثلًا للعيان، ثم يتصاعد الأنين مع دخان كثيف.)
ظلام
